اسماعيل بن محمد القونوي
344
حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد
والشيخ ابن الحاجب ذهب إلى كونه موضوعا لنداء مطلق المنادى والنزاع في الوضع دون الاستعمال ولهذا قال ( وقد ينادى به القريب ) فضلا عن المتوسط وهذا أولى مما قيل من أن المراد بالقريب ما عدا البعيد فيدخل فيه المتوسط إذ يمكن أن يقال إن المراد بالبعيد ما عدا القريب فيه المتوسط والمعنى وقد ينادى به القريب مجازا إخراجا للكلام على مقتضى الحال وإن كان على خلاف مقتضى الظاهر كما أشار إليه بقوله ( تنزيلا له منزلة البعيد ) . قوله : ( اما لعظمته ) أي إما لعلو رتبة المنادى بفتح الدال وهو يلائم قوله ( كقول الداعي يا رب ويا اللّه وهو أقرب إليه من حبل الوريد ) أو لعلو شأن المنادي بكسر الدال مثل قوله تعالى : يا أَيُّهَا النَّاسُ وقوله تعالى : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا [ البقرة : 104 ] كقول الداعي يا رب فينزل البعد الرتبي منزلة البعد المكاني فيناديه بلفظ البعيد على أنه استعارة تبعية في لفظة يا كما هو الظاهر أو مكنية وتخييلية وهو أقرب من حبل الوريد والمنادي يعتقد ذلك الوريدان عرقان مكتنفان لصفحتي العنق في مقدمها متصلان بالوتين ( أو لغفلته وسوء فهمه ) نحو يا أيها الغافل اسمع ما ينفعك وغفلة المنادى بفتح الدال وسوء فهمه بمنزلة بعده فينزل سوء فهمه منزلة البعد المكاني فيستعمل فيه لفظة يا استعارة كما مر . قوله : ( أو للاعتناء بالمدعو له ) يعني أنه بلغ من علو الشأن إلى حيث إن المخاطب لا يفي بما هو حقه من السعي فيه وإن بذل وسعه فكأنه غافل عنه غير مقبل عليه فينزل غفلته الادعائي أو الحقيقي منزلة البعد المكاني كما عرفته قوله ( وزيادة الحث عليه ) حيث زاد الزيادة نوع قرينة على ما ذكرنا وقوله تعالى : يا أَيُّهَا النَّاسُ ونحوه من هذا الباب أيضا ولا تزاحم في النكات وسيأتي الإشارة إليه من المص وهذا إذا اقتضى الحال استعمال يا علي هذا المنوال وإلا فلا منع من استعمال النداء على الحقيقة كقول الداعي يا قريب غير بعيد ويا من هو أقرب من حبل الوريد فإن هذا وأمثاله إخراج الكلام على مقتضى الظاهر وما سبق فإخراج الكلام على مقتضى الحال فإن القرب في كلام المنادى باعتبار الحقيقة ونفس الأمر والبعد باعتبار التشبيه والتنزيل لكن استعمال يا أيضا مجاز فإن تعبير المنادى بالقرب لا ينافي اعتبار البعد التنزيلي كأنه قيل يا من هو أقرب من كل شيء أنا بعيد من جنابك العظيم لحقارتي وكمال تدنسي اللئيم وإذا حمل الكلام على مسلك ابن الحاجب من أنها لمطلق النداء أو مشتركة بين القريب والبعيد والمتوسط فحينئذ النكتة في اختيارها أن الخطاب مشتمل على من هم في غاية القرب باستكمال النفوس ومن هم من المتوسطين ومن هم من المتبعدين ولك أن تقول إن الكل قريب أو بعيد بالاعتبارين وعلى كل تقدير يكون استعماله في ندائه تعالى مجازا « 1 » سواء كان تعالى مناديا أو منادى أو يظهر الفرق بين المسلكين في صورة كون المنادي والمنادى عبدا نداء القريب بيا مجاز على ما اختاره
--> ( 1 ) إلا أن يقال القرب هنا عام للقرب المكاني والقرب العلمي فحينئذ يظهر الفرق في ندائه تعالى أيضا لكن المتعارف القرب المكاني والبعد المكاني فيكون استعمال كلمة النداء في ندائه تعالى مجازا كالاستفهام والترجي وغيرهما .